خلال العقد الماضي، شهدت خارطة العقارات التجارية العالمية تحولاً هادئاً ولكنه دال في القيادة. ففي حين كانت أوروبا وأمريكا هما من تحدد معايير التخطيط والخدمات والحلول المفاهيمية لمراكز التسوق سابقاً، فإن مركز الابتكار ينتقل اليوم بشكل متزايد إلى الشرق الأوسط. فالمنشآت في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر لا تزداد حجماً فحسب، بل إنها تشكل نموذجاً جديداً لمراكز التسوق والترفيه كمساحات متعددة الوظائف تدمج بين تجارة التجزئة، والترفيه، والتخطيط الحضري، والتكنولوجيا.
التقارير التحليلية تؤكد شركتا JLL ونايت فرانك (Knight Frank): لا تزال الاستثمارات في مراكز التسوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) من بين الأكثر ديناميكية في العالم. وهنا تتاح للمطورين فرصة التصميم “من الصفر”، واستخدام مساحات شاسعة من الأراضي، وتنفيذ الحلول الرقمية، وابتكار أشكال تتجاوز بالفعل النهج الأوروبي التقليدي.
بالنسبة للمجتمع المهني، يعني هذا شيئاً واحداً: لفهم مستقبل قطاع التجزئة، يجدر بنا اليوم النظر ليس إلى أوروبا، بل إلى الشرق الأوسط. فهناك تحديداً يجري التطور الأكثر إثارة للاهتمام والذي يحدد معايير العقد القادم.
مراكز التسوق كـ “مراكز حضرية” جديدة: لماذا انفصلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن أوروبا
التिफ التركي الأساسي بين مراكز التسوق في أوروبا والشرق الأوسط لا يكمن في الحجم، بل في الوظيفة التي تؤديها في الحياة اليومية للناس. في أوروبا، تظل مراكز التسوق تقليدياً وبشكل رئيسي منشآت تجارية - مكاناً للتسوق مع مجموعة محدودة من الخدمات. أما في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد تطورت لتصبح مراكز حضرية متكاملة تدمج بين الترفيه، والعطلات العائلية، والتعليم، والبنية التحتية الرياضية، وحتى عناصر السياسة الثقافية.
في الواقع، فإن مركز التسوق الحديث في الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية ليس “مركزاً للتسوق فحسب”، بل هو مكان تدور فيه الحياة. ولهذا السبب ظهرت في هياكل هذه المرافق قاعات طعام، ومدينة ملاهٍ، وأحواض مائية، ومطاحد جليد، وساحات للرياضات الإلكترونية، ومراكز طبية، وحتى مراكز جامعية. يتيح هذا الشكل لأن يكون المرفق الواحد في نفس الوقت نقطة جذب للسكان المحليين وعنصراً هاماً في البنية التحتية السياحية - وهو أمر مهم بشكل خاص لدبي أو الدوحة.
تحليلات نايت فرانك يوضح أن نموذج “مركز تسوق كوجهة” أصبح نموذجاً رئيسياً لتطوير المنطقة. وتتحرك أوروبا في هذا الاتجاه، ولكن بشكل أباطأ بكثير، ويرجع ذلك جزئياً إلى البناء التاريخي، واللوائح المعقدة، والقيود المفروضة على تغيير الغلاف الوظيفي للمباني. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد سمحت مرونة التخطيط والدعم الحكومي للمطورين بإنشاء نوع جديد من العقارات التجارية، يركز في المقام الأول على التجربة بدلاً من مساحات التأجير بالأمتار.
النطاق وحرية التصميم: ميزة لا تستطيع أوروبا تكرارها
أحد الأسباب الرئيسية وراء إظهار مراكز التسوق في الشرق الأوسط لمثل هذا المستوى العالي من الابتكار هو القدرة على تصميمها من الصفر، دون قيود التطوير التاريخي أو نقص الأراضي الفسيحة. يعمل المطورون الأوروبيون في بيئات حضرية كثيفة، حيث يتطلب أي تجديد موافقات معقدة، وتكييفاً مع البنية التحتية القائمة، وتكاليف باهظة للأراضي.
في المقابل، تتيح مساحات الأراضي الواسعة المتاحة واستراتيجيات التنمية الحكومية في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) إمكانية ابتكار مفاهيم تُعد مستحيلةً عملياً في معظم العواصم الأوروبية. وبفضل ذلك تحديداً، تتشكل في المنطقة مشاريع ذات نطاقات تتجاوز نموذج مراكز التسوق الكلاسيكي، لتضم ملاعب رياضية، ومتنزة مغلقة، وردهات ضخمة، ومسطحات مائية، ومناطق ترفيهية متكاملة.
في الواقع، حصل الشرق الأوسط على فرصة لتصميم المراكز التجارية ليس كإعادة إعمار للماضي، بل كبنية تحتية للمستقبل. أما أوروبا، فتعمل في غالبيّة الأحيان ضمن حدود الأطر الحضرية القائمة، وهذا ما يحدّ من ضخامة المشاريع الجديدة ومرونتها الوظيفية.
معايير جديدة للراحة والخدمة: لماذا تتحرك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل أسرع من أوروبا
إذا كانت مراكز التسوق في أوروبا لا تزال تركز في الغالب على تجارة التجزئة ومجموعة أساسية من الخدمات، فإن الأولوية الرئيسية لدول الشرق الأوسط أصبحت تتمثل في خلق الانطباعات والتجارب، وليس مجرد توفير مساحة للتسوق. في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يستثمر المطورون بشكل منهجي في المكونات التي تجعل زيارة مراكز التسوق حدثاً مميزاً: مناطق الترفيه الواسعة، وأسواق الطعام المفاهيمية، والتركيبات وسائط المتعددة، واللافتات التفاعلية، ومستوى عالٍ من الخدمة، والأنشطة الترفيهية لجميع الفئات العمرية.
يلعب المناخ دورًا خاصًا. ففي دول مجلس التعاون الخليجي، تنتقل معظم الأنشطة على مدار العام إلى الأماكن المغلقة، لذا يصبح المركز التجاري فعليًّا البنية التحتية العامة الأساسية للمساحات العامة. ومن هنا يأتي الاهتمام بتفاصيل الراحة: أنظمة تكييف الهواء الذكية، والمناخ الداخلي المُحسَّن، والهدوء، وخلو المكان من العوائق، والردهات الكبيرة التي تغمرها الإضاءة الطبيعية، ومناطق الاستراحة المرنة. وهذا يتجاوز بكثير حدود النموذج الأوروبي التقليدي، حيث لم تكن مسألة تجربة العملاء، تاريخياً، ذات أهمية كبيرة.
يؤكد تقرير لشركة «ماجد الفطيم» أن الزوار في دول مجلس التعاون الخليجي يقضون وقتاً أطول بكثير في مراكز التسوق مقارنة بأوروبا. بالنسبة للمطور العقاري، يترجم هذا إلى كفاءة أعلى للمستأجرين، وتحقيق أرباح أفضل، وتدفق أكثر استقراراً للزوار. أما بالنسبة للسوق ككل، فيعني ذلك الانتقال إلى نموذج لا يقتصر فيه مركز التسوق على كونها مكان للشراء فحسب، بل يصبح وجهة لقضاء الوقت، مما يمنح المنطقة ميزة واضحة في تطوير الأشكال المختلفة.
التكنولوجيا وإدارة البيانات: النموذج الذكي الذي أصبح معياراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
إحدى أبرز ميزات مراكز التسوق في الشرق الأوسط هي التنفيذ المنهجي للتقنيات التي لا تعمل على مستوى الحلول الفردية، بل على مستوى نموذج تشغيلي متكامل. ففي دول مجلس التعاون الخليجي، أصبح التحول الرقمي معياراً لا مجرد اتجاه: أنظمة وقوف السيارات الآلية، المدفوعات غير اللمسية، تطبيقات الملاحة المتكاملة، برامج الولاء، تحليل تدفقات الزوار، وبيانات التجارة (commerce-data) التي تساعد في إدارة مزيج المستأجرين.
ما يُعتبر غالباً في أوروبا ابتكاراً، يُعد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جزءاً من البنية التحتية الأساسية منذ فترة طويلة. يستخدم المطورون البيانات بنشاط لتحسين العمليات - بدءاً من استهلاك الطاقة والتحكم في المناخ وصولاً إلى توزيع مناطق الترفيه والصفوف في صالات الطعام. وفي المجموعات الكبرى مثل "ماجد الفطيم" أو "إعمار"، تم إنشاء وحدات تحليلية مستقلة تتولى مراقبة سلوك الزوار والتنبؤ بحركة المرور.
هذا النهج يعزز بشكل كبير كفاءة المركز التجاري:
- يحصل المستأجرون على حركة مرور أكثر استقراراً وتحويل أفضل،,
- المطور يختبر الأشكال ويغيرها بشكل أسرع،,
- يحصل الزوار على مساحة تتفاعل مع احتياجاتهم في الوقت الفعلي.
أوروبا تتحرك أيضاً باتجاه التكامل الرقمي، ولكن بشكل أبطأ - بسبب اللوائح التنظيمية، وتجزئة السوق، وقلة الاستعداد للاستثمار واسع النطاق في أنظمة جمع البيانات. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، فقد أصبحت التكنولوجيا منذ فترة طويلة جزءاً من الميزة التنافسية.
الخلاصة ورؤية الخبراء: ما الذي يمكن لأوروبا وأوكرانيا أن تستفيداه من نموذج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)
باختصار، من الواضح أن الاعتماد على التكنولوجيا يجب أن يصبح معياراً لا مجرد ميزة إضافية. إن الملاحة التفاعلية، وتحليلات البيانات، والمواقف الذكية للسيارات، وأتمتة العمليات، هي أمور تحدد منذ فترة طويلة كفاءة مراكز التسوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي آخذة في الاكتساب تدريجياً أهمية حاسمة لكل من أوروبا وأوكرانيا.
الفرضية الأساسية للتطوير هي الانتقال من نموذج «مكان التسوق» إلى نموذج «مركز قضَاء الأوقات». ومع تطور التجارة الإلكترونية والتوصيل، سيقوم المستأجرون حتماً بتقليص مساحاتهم الفعلية، حيث سيتم بيع جزء كبير من السلع عبر الإنترنت. ومن الأسهل على المشترين طلب ما يحتاجونه مع التوصيل وغالباً ما يكون مجانياً. وهذا يعني أنه يتعين على المراكز التجارية إعادة التفكير في مفاهيمها، وإعادة توزيع المساحات، وإنشاء عدد كبير من مساحات الترفيه (leisure) الموجهة نحو الاسترخاء والترفيه والتفاعل الاجتماعي.
بالنسبة لأوروبا، يصبح العامل المناخي أكثر أهمية باستمرار. إن ارتفاع درجات الحرارة اليومية المتوسطة وموجات الحر المنتظمة في الصيف تحفز الطلب على المساحات المغلقة والمريحة والمكيفة. سيأتي الناس إلى مراكز التسوق ليس فقط للتسوق، بل وقبل كل شيء لتَقضية وقت فراغهم - ويجب أن يكون لدى مراكز التسوق ما تقدمه لهم.
يتمتع السوق الأукраїнський (الأسواق الأوكرانية) بميزة مهمة في هذا الصدد: حيث تتيح القيود التاريخية الأقل إمكانية تطبيق تنسيقات حديثة وممرنة وتكنولوجية بشكل أسرع بكثير مقارنة بمعظم المدن الأوروبية. وهذا يفتح الفرص لإنشاء نماذج المستقبل ابتداءً من اليوم.
يتقبل المستهلك في لفيف وأوكرانيا بشكل عام الأشكال الجديدة برحابة صدر، مما يخلق بيئة مواتية للابتكار والتجارب. ولهذا السبب، فإن الجمع بين التكنولوجيا والتوجه نحو الترفيه (leisure) يعد المسار الأكثر واعدة لتطوير المراكز التجارية في المنطقة.